ابن بسام
547
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
في ذكر الأديب أبي جعفر أحمد بن عبد اللّه بن هريرة القيسي الأعمى التطيلي « 1 » : له أدب بارع ، ونظر في غامضه واسع ، وفهم لا يجارى ، وذهن لا يبارى ، ونظم كالسحر الحلال ، ونثر كالماء الزلال ، جاء في ذلك بالنادر المعجز ، في الطويل منه والموجز ؛ نظم أخبار الأمم في لبّة القريض ، وأسمع فيه ما هو أطرف من نغم معبد والغريض . وكان بالأندلس سرّ الإحسان ، وفردا في الزمان ، إلّا أنّه لم يطل زمانه ، ولا امتدّ أوانه ، واعتبط عندما به اغتبط ، وأضحت نواظر الآداب لفقده رمدة ، ونفوس أهله متفجّعة كمدة . وقد أثبتّ ما يشهد [ له ] بالإحسان والانطباع ، ويثني عليه أعنّة السماع . / فمن ذلك رقعة كتب بها إلى بعض إخوانه يعاتب : شاكرك أو شاكيك ، من لا يحمد ولا يذم « 2 » الأيام فيك ، يا سيدي - كناية عن ذكره ، لا توخيا لبرّه ، وإحياء رغبة في إنصافه ، لا طمعا في استعطافه - الذي عاطيته كأس الوداد فأمرّها « 3 » ، وزففت إليه بنت الفؤاد فأضرّ بها وأضرّها ، ومن أطال اللّه بقاءه ممتعا بظلّ السلطان ، وإقبال الزمان ، فإنّ الرجل بسلطانه ، لا بإخوانه ، وبإقبال زمانه ، لا بإحسانه ، إني - أعزّك اللّه - وإن كان الدهر وضعني ورفعك ، وضاق عني ووسعك ، بين جنبيّ نفس عصام ، وبين فكيّ صارم بسطام ، إذا ضيم الرجال فلست بالمضروب زيد ، وإذا تكلّم القول فلست بسعيد بن حميد : الشجو شجوي والعويل عويلي « 4 »
--> ( 1 ) ذكر الصفدي ( نكت الهميان : 110 ) أنه توفي سنة 525 ، وترجمته في : المغرب 2 : 451 ، والمسالك 11 : 389 ( وفيهما نقل عن الذخيرة ) ، والقلائد : 273 ، والخريدة 3 : 511 ( قسم المغرب ) ، وبغية الملتمس رقم : 429 ، والسلفي : 16 ، وعيون التواريخ 12 : 223 - 233 ، وله ذكر في الروض المعطار : 133 ، 196 ، وبدائع البداية : 246 ، 255 ، 256 ، 264 ، والنفح ( انظر الفهرست تحت : الأعمى التطيلي ) وقد ورد اسم أبيه في نسخة حليم من الذيل والتكملة ( الورقة : 167 ) « عبيد اللّه » وترد له كنيتان أبو جعفر وأبو العباس ؛ وقد كنت نشرت ديوانه اعتمادا على نسختين خطيتين ( بيروت 1963 ) وصدرته بمقدمة في دراسة حياته وشعره ، وضممت إلى الديوان موشحاته من دار الطراز وجيش التوشيح وغيرهما ، ولكن هذه الترجمة التي أوردها ابن بسام ( والتي انفردت بها س ل ) قد احتوت قصائد لم ترد في ديوانه وقد استدركها الدكتور محمد مجيد السعيد فيما جمعه من شعره إلا واحدة هي اليائية ( في المورد 2 / 1977 ص 301 - 304 ) ونثرا لم تورده المصادر الأخرى ( إلا أن انفراد ( س ل ) يجعل بعض القراءات أحيانا غير دقيقة وإن كان إحضار ل بعد ظهور الطبعة الأولى قد حلّ بعض معضلات أختها س ) . ( 2 ) ل : بل لا يملك ولا يم . ( 3 ) فأمرّها : أجازها أو جعلها مرة . ( 4 ) شطر بيت للرمادي ، وقبله : « من حاكم بيني وبين عذولي » .